الشيخ محمد رشيد رضا
7
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والجواب عن هذا انه لا فرق بين عمل الفريقين إلا في التسمية ولكن من بعض الوجوه ، فمشركو العرب لم يكونوا يسمون أصنامهم أربابا بل كانوا يعتقدون ويقولون إن رب العالمين وخالقهم ومدبر أمورهم الذي يجير ولا يجار عليه هو اللّه وحده ، لان هذا مقتضى لغتهم ، وإنما كانوا يسمونها آلهة لان الا له في لغتهم هو المعبود ، والمعبود هو من يتوجه اليه ويدعى فيما لا يقدر عليه الناس بكسبهم في دائرة الأسباب المعروفة لهم ، ويعظم ويتقرب اليه بالذبائح وغيرها لأجل ذلك ، سواء كان سلطانه على النفع ودفع الضر بذاته لذاته وهو اللّه تعالى ، أو بشفاعته عند اللّه . وقد تقدم بسط هذا المعنى مرارا ، وسيعاد في تفسير سورة يونس للنصوص الصريحة فيه . فتسمية هذه العبادة لغير اللّه توسلا في عرف بعض الناس لا يخرجها عن حقيقتها ، ولا عن كون اسمها في اللغة العربية عبادة وهو ما كان يسميها به أهل هذه اللغة . وانما التوسل الشرعي التقرب إلى اللّه تعالى بما شرعه من الأعمال الصالحة ، لا بالأهواء المبتدعة ، ولا بالتقاليد المتبعة * * * ( 97 ) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 98 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ . عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 99 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ، أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * * * هذه الآيات الثلاث في بيان حال الأعراب منافقيهم ومؤمنيهم ، والظاهر أنها قد نزلت هي وما بعدها إلى آخر السورة بعد وصول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين إلى المدينة . فهي بدء سياق جديد في تفصيل أحوال المسلمين في ذلك العهد ، بدىء